الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

148

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

الجملة هي المقصد من التشبيه وما تفرّع عليه ، وقد كان ذكر هذه الجملة يغني عن ذكر جملة : فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ لولا قصد الموعظة بالفريقين : المشبّه بهم ، والمشبّهين ، في إعراض كليهما عن أخذ العدّة للحياة الدائمة وفي انصبابهما على التمتّع العاجل فلم يكتف في الكلام بالاقتصار على حال أحد الفريقين ، قصدا للاعتناء بكليهما فذلك الذي اقتضى هذا الاطناب ولو اقتصر على قوله : فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلاقِهِمْ ولم يذكر قبله فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ لحصل أصل المعنى ولم يستفد قصد الاهتمام بكلا الفريقين . ولذلك لمّا تقرّر هذا المقصد في أنفس السامعين لم يحتج إلى نسج مثل هذا النظم في قوله : وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خاضُوا . وقوله : كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلاقِهِمْ تأكيد للتشبيه الواقع في قوله : كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ - إلى قوله - فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكُمْ للتنبيه على أنّ ذلك الجزء بخصوصه ، من بين الحالة المشبهة والحالة المشبه بها ، هو محلّ الموعظة والتذكير ، فلا يغرّهم ما هم فيه من نعمة الإمهال والاستدراج ، فقدّم قوله : فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ وأتى بقوله : كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلاقِهِمْ مؤكّدا له دون أن يقتصر على هذا التشبيه الأخير ، ليتأتى التأكيد ، ولأنّ تقديم ما يتمّم تصوير الحالة المشبّه بها المركّبة ، قبل إيقاع التشبيه ، أشدّ تمكينا لمعنى المشابهة عند السامع . وقوله : كَالَّذِي خاضُوا تشبيه لخوض المنافقين بخوض أولئك وهو الخوض الذي حكي عنهم في قوله : لَيَقُولُنَّ إِنَّما كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ [ التوبة : 65 ] ولبساطة هذا التشبيه لم يؤت فيه بمثل الأسلوب الذي أتي به في التشبيه السابق له . أي : وخضتم في الكفر والاستهزاء بآيات اللّه ورسوله كالخوض الذي خاضوه في ذلك ، فأنتم وهم سواء ، فيوشك أن يحيق بكم ما حاق بهم ، وكلامنا في هذين التشبيهين أدقّ ما كتب فيهما . و كَالَّذِي اسم موصول ، مفرد ، وإذ كان عائد الصلة هنا ضمير جمع تعيّن أن يكون المراد ب كَالَّذِي : تأويله بالفريق أو الجمع ، ويجوز أن يكون كَالَّذِي هنا أصله الذين فخفّف بحذف النون على لغة هذيل وتميم كقول الأشهب بن زميلة النهشلي : وإن الذي حانت بفلج دماؤهم * هم القوم كلّ القوم يا أمّ خالد ونحاة البصرة يرون هذا الاستعمال خاصّا بحالة أن تطول الصلة كالبيت فلا ينطبق